محمود فجال

15

الحديث النبوي في النحو العربي

تمهيد فصاحة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبلاغة قوله منح اللّه - سبحانه وتعالى - نبيّنا - صلّى اللّه عليه وسلّم - من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره ممن قبله أو بعده ، فمن ذلك كلامه المعتاد ، وفصاحته المعلومة . وكلام النبوّة دون كلام الخالق ، وفوق كلام فصحاء المخلوقين ، فيه جوامع الكلام ، ومعجزات البلاغة والفصاحة . وهو كثير مستفيض ، وحصر البليغ من كلام النبوّة ممتنع معجز ، لأنّه كلّه بليغ فصيح « 1 » . والنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أفصح العرب قولا ، وأبينهم كلاما ، وأعلاهم بلاغة . وقد وصف « الجاحظ » - 255 ه كلام النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « . . . هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجلّ عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف ، وكان كما قال اللّه - تبارك وتعالى - قل يا محمد : وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ « 2 » ، فكيف وقد عاب التشديق ، وجانب أهل التقعيب « 3 » ، واستعمل المبسوط في موضع البسط ، والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشيّ ، ورغب عن الهجين السّوقيّ ، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ، ولم يتكلّم إلّا بكلام قد حفّ بالعصمة ، وشيّد بالتأييد ، ويسّر بالتوفيق . وهو الكلام الذي ألقى اللّه عليه المحبة ، وغشّاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الإفهام ، وقلّة عدد الكلام .

--> ( 1 ) « لباب الآداب » 330 - 334 . ( 2 ) سورة « ص » : 86 . ( 3 ) التقعيب كالتقعير ، وهو أن يتكلم بأقصى قعر فمه .